2010/08/14

طبيب ؟؟ يعنى إيه طبيب ؟

المشهد الأول:

استيقظ محمود فى ذلك اليوم , وبدأ كالعادة فى النظر إلى تلك البقعة الأخذة فى الإتساع بالسقف, إلتقطت أذنه صوت الشيخ المنشاوى يأتى من محل الطعمية أسفل المبنى .. نظر فى الساعة وجدها تقترب من الظهيرة, تعجب من الصمت الذى يغلف المنزل .. لماذا لا يسمع والدته تناديه كما اعتادت .. تطلب منه الإستيقاظ لتناول طعام الإفطار ؟ 

إعتادت الحاجة _هكذا يحب أن يناديها_ أن تتجادل معه كل يوم من أجل الإستيقاظ مبكرا .. و إعتاد هو أن يذهب من حجرة لحجرة حتى يتسنى له سرقة لحظات من النوم فى غفلة منها .. أين كل هذا اليوم ؟

نزل من السرير و ذهب لحجرتها .. وجدها نائمة , تركها وحاول عدم إصدار صوت , إنها فرصته سيذهب ليعد لها طعام الإفطار , ثم يوقظها.

توجه إلى المطبخ .. و أعد بسرعة إفطارا , ثوجه لحجرتها , مد يده يهزها مناديا " إستيقظى يا حاجة "
***
المشهد الثانى:
يتعالى صوت سيارة الإسعاف وهى تقترب من ذلك المستشفى الشهير بالإسكندرية , وسط سيل السيارات المزدحمة .. لم يبذل أى من قائدى السيارات المحيطة جهدا حقيقيا للإفساح لسيارة الإسعاف .. مما اضطر السائق للسير فى الإتجاه المعاكس حتى وصل لمدخل المستشفى .. نزل محمود منها و جرى نحو قسم الطوارىء بحثا عن طبيب .. ثم إصطحبه مسرعا وهو يشرح له حالة أمه, كان رجال الإسعاف فى هذا الوقت قد نقلوا أمه إلى داخل المستشفى ,كانت شاحبة و فاقدة للوعى .
***

المشهد الثالث:
يقترب الطبيب من محمود و بيده نتيجة التحاليل
-" والدتك السكر لديها مرتفع جدا .. وصل إلى 475 .. لقد دخلت فى غيبوبة سكر وحالتها غير مستقرة "
-"ماذا ؟ أمى لا تعانى من مرض السكر .. ماذا تقول ؟"
-"حسنا .. فى بعض الأحيان لا يعرف المريض أنه يعانى من المرض إلا إذا حدث شيء يرفع السكر .. فى حالة والدتك أظن أن إرتفاع درجة الحرارة هو السبب.. يؤسفنى أن أبلغك ... لا يمكن للمستشفى إستقبال هذه الحالة"
-"ماذا ؟ أرجوك يا دكتور .. لا يوجد مكان أخر نذهب إليه .. لا تقلق بخصوص التأمين .. سأدفع كل ما تطلبونه"
-" أسف .. لكن هذه سياسة المستشفى.. لا يمكننا إستقبال هذه الحالة"
***
المشهد الرابع......الخامس ...... السادس
-" لا يمكننا إستقبال هذه الحالة"
***
المشهد السابع
تدخل السيارة المستشفى الميري .. المستشفى الوحيد الذى قبل أن يستقبل أمه .. لا يعرف محمود لماذا يصر الجميع أن يناديها بإسم " الحالة " ؟ 
يأتى إليه طبيب صغير فى السن .. يسأله بلا أى إنفعالات .. " الحالة دى مالها ؟ " يجيبه محمود " أمى فى غيبوبة سكر .. و لا توجد مستشفى تريد إستقبالها .. أرجوك افعل شيئا "
ينظر له الطبيب دون أن يرد .. ثم يأمر ممرضة بأن تقيس الحرارة لها , تلتفت له الممرضة وتقول " حرارتها 41 يا دكتور .. أنا بقول ننقلها الحميات أحسن " . هنا بدأ محمود بالبكاء قائلا " أرجوك يا دكتور .. أمى لن تتحمل أن تنتقل هكذا بدون أى رعاية .. أفعلوا أى شيء أرجوكم " 
***
المشهد الثامن
قسم مرضى السكر و الروماتيزم بالمستشفى .. يتكون القسم حجرة كبيرة تقارب مساحتها ملعب تنس أو أكبر قليلا .. ممتلئة بالأسرة المتجاورة , يجلس محمود على طرف الفراش .. و حوله أقاربه .. بينما يرقد فى الفراش المقابل جسد سيدة فى النزع الأخير .. تعالى بكاء إبنها مما زاد من صعوبة الموقف , تبادل الموجودين بالقسم النظر إلى هذا السرير و تباينت ردود فعلهم .. بعضهم بدا عليه الجزع .. خوفا من أن يلاقى نفس المصير .. و البعض بدا عليه التعود على هذا .. نظر محمود إلى رجل جالس على سرير قريب له .. وكأن هذه النظرة كانت إيذانا ببدء الحديث .. وجه له الرجل الكلام قائلا " هذه رابع حالة وفاه منذ أمس , الغلابة إللى زينا ملهومش غير ربنا يدعوله , أنا محتاج علاج على نفقة الدولة .. والدولة مشغولة تسفر الوزرا بتوعها يتعالجوا فى أوروبا, أما الغلابة إللى زينا متجوزش عليهوم غير الرحمة"

***
المشهد التاسع
تنادى الممرضة على محمود .. يذهب إليها متلهفا لأى خبر جديد , تناوله مقياس حرارة .. ينظر لها نظرة إستفهام , تقول له وهى تدون شيئا بالدفتر حط الترمومتر ده فى بق مامتك و سيبه دقيقتين كدة و جيبه تانى  "

***
المشهد العاشر:
-"أرجوك يا دكتور .. أريد نقل أمى من المستشفى , لأى مستشفى أخرى"
-" لن تقبلها أى مستشفى أخرى .. المستشفيات الخاصة لا تقبل أى حالة غير مضمونة "
-" ما معنى هذا ؟ أين أنقلها إذن ؟ الرعاية الطبية هنا غير أدمية بالمرة , أريد نقلها على الأقل فى غرفة خاصة ."
-" لن تحصل على أى رعاية أفضل لو دفعت مقابل نقلها لغرفة خاصة .. نصيحتى لك حاول أن تتقبل الأمر الواقع ,لا يوجد ما يعيب هذه المستشفى سوى الروتين.. أما الرعاية الطبية فهى الأن تحت إشراف أفضل أطباء الإسكندرية .. هذه المستشفى بها أفضل دكاترة كلية الطب "
-"أنا لا أري سوى طلبة تتدرب على المرضى .. أين الرعاية التى تتكلم عنها ؟ حتى الممرضة تنادينى لكى أقيس الحرارة لأمى ؟ أى روتين هذا الذى تتكلم عنه ؟"

***

المشهد الأول

استيقظ محمود فى ذلك اليوم , وبدأ كالعادة فى النظر إلى تلك البقعة المتسعة بالسقف, إلتقطت أذنه صوت الشيخ المنشاوى يأتى من محل الطعمية أسفل المبنى .. نظر فى الساعة وجدها تعدت وقت الظهيرة, كان الصمت  يغلف المنزل .. لماذا لا يسمع والدته تناديه كما اعتادت .. تطلب منه الإستيقاظ لتناول طعام الإفطار ؟ 

إعتادت الحاجة _هكذا كان يحب أن يناديها_ أن تتجادل معه كل يوم من أجل الإستيقاظ مبكرا .. و إعتاد هو أن يذهب من حجرة لحجرة حتى يتسنى له سرقة لحظات من النوم فى غفلة منها .. أين كل هذا اليوم ؟

نزل من السرير و ذهب لحجرتها .. نظر إلى السرير الخالى .. رأى إنعكاس صورته على المرآة المقابلة .. ذقنه الغير حليقة .. ملابسه الرثة .. نزلت دمعة من عينه .. وأغلق الباب

9 comments:

يا مراكبي يقول...

من الناحية الأدبية .. العودة إلى المشهد الأول مرة أخرى بعد وفاة الأم يعتبر مشهدا فنيا رائعا في تسلسل القصة

من الناحية العملية .. القصة مؤسفة للغاية .. فليس للفقراء مكان في بلدنا هذا من حيث الطعام الصحي أو العلاج المحترم أو البيئة المناسبة للحد الأدنى للحياة

لنا الله في وطننا هذا الذي صار أغلبية شعبه غرباء

يا مراكبي يقول...

من الناحية الأدبية .. العودة إلى المشهد الأول مرة أخرى بعد وفاة الأم يعتبر مشهدا فنيا رائعا في تسلسل القصة

من الناحية العملية .. القصة مؤسفة للغاية .. فليس للفقراء مكان في بلدنا هذا من حيث الطعام الصحي أو العلاج المحترم أو البيئة المناسبة للحد الأدنى للحياة

لنا الله في وطننا هذا الذي صار أغلبية شعبه غرباء

يا مراكبي يقول...

من الناحية الأدبية .. العودة إلى المشهد الأول مرة أخرى بعد وفاة الأم يعتبر مشهدا فنيا رائعا في تسلسل القصة

من الناحية العملية .. القصة مؤسفة للغاية .. فليس للفقراء مكان في بلدنا هذا من حيث الطعام الصحي أو العلاج المحترم أو البيئة المناسبة للحد الأدنى للحياة

لنا الله في وطننا هذا الذي صار أغلبية شعبه غرباء

يا مراكبي يقول...

من الناحية الأدبية .. العودة إلى المشهد الأول مرة أخرى بعد وفاة الأم يعتبر مشهدا فنيا رائعا في تسلسل القصة

من الناحية العملية .. القصة مؤسفة للغاية .. فليس للفقراء مكان في بلدنا هذا من حيث الطعام الصحي أو العلاج المحترم أو البيئة المناسبة للحد الأدنى للحياة

لنا الله في وطننا هذا الذي صار أغلبية شعبه غرباء

М€ŝЋМΣŞĦ يقول...

و الله رفعت معنوياتى .. من الناحية الأدبية أشكرك

من الناحية العملية

Based On A True Story
للأسف

قطرة وفا يقول...

قصة في غاااااية الروووووووووعة والألمــــ ....

الله يحمينا ويعافينا ...

ما شاء الله عليك أخي في الله أسلوبك جميل جدا

М€ŝЋМΣŞĦ يقول...

أولا مرحبا بيكى بعد الغيبة الطويلة دى

جزاك الله خيرا

كلمات من نور يقول...

عيد سعيد عليكي سيدي .بجد قصة واقعية في صميم بلادنا وياما بيحصل في نجع إسكندرية كما أسميته منذ فشل أحسن الأطباء في علاجي طوال العام الماضي ....ربي يرحمنا برحمته الواسعه ويرحم موتانا ويشفي مرضانا يارب

М€ŝЋМΣŞĦ يقول...

عيد سعيد عليكى
يا رب يكون شفاكى تم على خير و تكونى بأحسن صحة و أسعد حال
يا رب